تاريخ مصر الرومانية
تاريخ مصر الرومانية
تاريخ مصر الرومانية بدأ بهزيمة مصر في 30 ق.م. أمام اوكتاڤيان (الإمبراطور أغسطس قيصر لاحقاً)، بعد هزيمة ماركوس أنطونيوس والملكة البطلمية كليوپاترا السابعة في معركة أكتيوم.
في أعقاب ذلك، أصبحت إجيپتوس (مصر) مقاطعة في الامبراطورية الرومانية، وكانت تضم معظم مصر الحالية ما عدا شبه جزيرة سيناء. كل من المقاطعتين برقة إلى الغرب وبلاد العرب إلى الشرق كانا يحدان مصر. لعبت مصر دور المنتج الرئيسي للحبوب للامبراطورية.
الإمبراطورية الرومانية، حوالي سنة 117، تحيط بالبحر المتوسط، والمقاطعة إجيپتوس Aegyptus مبينة بالأحمر
كان خليقاً بمصر أن تكون أسعد بلدان الأرض قاطبة، لأن النيل يرويها ويغذّيها، ولأنها أكثر بلاد البحر الأبيض المتوسط قدرة على الإكتفاء بخيراتها- فهي غنية بالحب والفاكهة، وتنتج أرضها ثلاث غلات في العام، ولم يكُن يعلو عليها بَلَد آخر في صناعاتها، وكانت تصدّر الغلات والمصنوعات إلى مائة قطر وقطر، وقلما كان يزعجها ويقلق بالها حرب خارجية أو أهلية. ولكن يبدو أن "المصريين" برغم هذه الأسباب- أو لعلّهم لهذه الأسباب- "لم نعموا بالحرية يوماً واحداً في تاريخهم كلهم"(1) على حد قول يوسفوس. ذلك أن ثروتهم كانت تغري بهم الطغاة أو الفاتحين واحداً في إثر واحد مدى خمسين قرناً من الزمان كانوا فيها يستسلمون لأولئك الطغاة والفاتحين .
ولم تكن روما تعد مصر ولاية تابعة لها، بل كانت تعدّها من أملاك الإمبراطور نفسه، وكان يحكمها حاكم مسئول أمامه وحده. وكان موظفون من اليونان المتمصّرين يديرون أقسامها الثلاثة- مصر السفلى، ومصر الوسطى، ومصر العليا، ومقاطعاتها الست والثلاثين، وبقيت اللغة اليونانية في ذلك العهد هي اللغة الرسمية- ولم تبذل محاولة ما لتحضير السكان، فقد كانت وظيفة مصر في الإمبراطوريّة أن تكون المورد الذي تستمد منه روما ما يلزمها من الحبوب، ولهذا السبب انتزعت من الكهنة مساحات واسعة من الأرض وأعطيت للممولين الرومان أو الإسكندريين، وجُعلت ضياعاً واسعة يعمل فيها الفلاحون ويستغَلّون بلا رحمة. وظلت الرأسمالية الحكومية كما كانت في عهد البطالمة، وإن كانت في صورة أخف من عهدها السابق؛ لقد كانت تنظم كل خطوة من خطوات الأعمال الزراعية وتشرف على تنفيذها: فكان موظفون حكوميون مطردو الزيادة يعينون ما يزرع من المحاصيل، ومقدار ما يزرع منها، ويوزعون البذور على الزراع في كل عام، ويستولون على المحصولات ويودعونها في مخازن حكومية (thesauroi)، ويُصدّرون منها حصة روما، ويقتطعون الضرائب منها عينا، ويبيعون ما يتبقى بعد ذلك في السوق. وكان القمح والكتان محتكرين للحكومة من البذر إلى البيع؛ وكذلك كان شأن الطوب، والروائح العطرية وزيت السمسم في الفيّوم إن لم يكن في غيرها من الأقاليم، أما غير هذه من الميادين الاقتصادية فكان يُسمح فيها بمشروعات الاستغلال الخاصة، على أن يكون هذا الاستغلال خاضعاً لأنظمة دقيقة شاملة. وكانت مصادر الثروة المعدنية كلها ملكاً للدولة، وكان قطع الرخام واستخراج الحجارة الكريمة امتيازاً خاصاً للحكومة.
واتسع نطاق الصناعات المنزلية فانتشرت في المُدن- وكان قد مضى على قيامها في مصر زمن طويل، فاشتهرت بها مدائن بطليموئيس Ptolemais، ومنفيس وطيبة، وأكسيرهنكس Oxyrhynchus، وصان، وبسطة، ونقراطيس، وهليوبوليس (عين شمس)؛ وكانت هذه الصناعات في الإسكندرية المورد الذي تعتمد عليه نصف حياة العاصمة الصاخبة. ويبدو أن صناعة الورق كانت قد بلغت وقتئذ المرحلة الرأسمالية، فإن استرابون يحدثنا أن أصحاب مزارع البردي حددوا محصوله ليرفعوا سعره(3). وكان الكهنة يقيمون المصانع في حرم الهياكل، ويخرجون فيها نسيجاً رقيقاً من التيل، يصنعون منه ملابسهم، ويبيعون بعضه في الأسواق. وقلّما كان يوجد أرقّاء في مصر يعملون في غير الخدمات المنزلية، لأن العمّال "الأحرار" لم يكونوا يؤجرون أكثر مما يكفي لستر عورتهم وسد رمقهم. وكان هؤلاء العمال يضربون عن العمل (anachoresis) في بعض الأحيان- فكانوا يمتنعون عنه ويجتمعون بالهياكل حتى يخرجوا منها بتأثير الجوع أو الألفاظ المعسولة. وكان يحدث أحياناً أن ترفع الاجور، فترتفع الأثمان، وتعود الأمور كما كانت من قبل. وكان يُسمح بإنشاء النقابات الطائفية، ولكنها كانت في الأغلب الأعم خاصة بالتجار ومديري الأعمال، وكانت الحكومة تستخدمها في جباية الضرائب وفي تنظيم أعمال السخرة كإقامة السدود، وحفر الترع وتطهيرها، وإقامة المباني العامة.
وكانت التجارة الداخلية نشطة ولكنها بطيئة. فقد كانت الطرق رديئة، وكانت وسائل النقل البري هي الحمّالين، والحمير، والجمال- التي حلّت وقتئذ محل الخيل للجر والحمل في أفريقية. وكان جزء كبير من التجارة الداخلية يُنقل في نهر النيل أو القنوات. وكانت قناة كبرى يبلغ عرضها مائة وخمسين قدماً وتمت في عهد تراجان، تربط البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الهندي عن طريق النيل والبحر الأحمر. فكانت السفن تخرج في كل يوم من الثغور الواقعة على هذا البحر مثل أرسنوئي، وميوسهرموس Muos Hormos ويرنيس في طريقها إلى أفريقية أو الهند. وكان النظام المصرفي الذي يموّل الإنتاج خاضعاً بأكمله للرقابة الحكومية، وكان في حاضرة كل إقليم مصرف للدولة، يتسلّم الضرائب، وتودع فيه الأموال العامة. وكانت القروض تعقد للزراع وتشجيع الصناعة والتجارة والأعمال المالية، تقرضها الحكومة أو الكهنة من خزائن الهياكل، أو هيئات الإقراض غير الحكومية(4). وكانت الضرائب تفرض على جميع المنتجات، والعمليات الاقتصادية، والبيع، والإصدار، والاستيراد، بل وعلى القبور ودفن الأموات؛ وكانت قروض إضافية تُقرر من حين إلى حين، وتُجبى عيناً من الفقراء أو خدمات من الأغنياء. وكانت البلاد- أو كان سادتها- من عهد أغسطس إلى تراجان في رخاء؛ ثم أخذ هذا الرخاء، بعد أن وصل إلى ذروته في ذلم العهد، يفارقها بتأثير الخراج الذي لم يكن يُعرف له حد، والضرائب الفادحة، وما يعقبهما من كساد ونضوب في موارد البلاد، وما يؤدي إليه الاقتصاد المجند من تراخٍ وإهمال.
وبقيت مصر في خارج الإسكندرية ونقراطيس محتفظة بمصريتها عابسة صامتة، وقلّما اصطبغ فيها شيء بالصبغة الرومانية بعيداً عن مَصاب النيل؛ وهي مدينة الإسكندرية نفسها، التي كانت أعظم المدائن اليونانية، أخذت في القرن الثاني بعد الميلاد تصطبغ بصبغة الحواضر الشرقية في أخلاق أهلها ولُغاتهم وفي جوّها الشرقي. وكان يسكن عاصمة مصر 800.000 من جميع سكان البلاد البالغ عددهم 8.500.000(5) (وكان عدد سكانها في عام 1930 نحو 573.000)، ولم يكن يزيد عليها في عدد السكان سوى روما نفسها. أما من حيث الصناعة والتجارة فقد كانت أولى المُدن في الإمبراطوريّة. وقد ورد في خطاب يُعزى إلى هدريان- وإن كنا نشك في صحة نسبته إليه- أن كل شخص في الإسكندرية يعمل، وأن لكل إنسان فيها حرمة، وحتى العرج والعمى يجدون لهم عملاً فيها(6). وكان من بين مئات الصناعات القائمة في المدينة صناعة الزجاج، والورق، ونسج الكتان. وكانت هذه المصنوعات موفورة الإنتاج، وكانت الإسكندرية مركز صناعة الكساء والأزياء العصرية المستحدثة في ذلك الوقت، فكانت هي التي تضع طراز الملابس وهي التي تصنعها. وكان لمرفئها العظيم تسعة أرصفة، يخرج منها أسطولها التجاري ليمخر عباب عدة بحار. وكانت المدينة فوق ذلك مركزاً للسياح، فيها الفنادق، والأدلاء، والمترجمون لاستقبال الزائرين القادمين إليها لمشاهدة الأهرام والهياكل الفخمة في طيبة. وكذلك شارعها الرئيسي يبلغ عرضه سبعة وستين قدماً، وتقوم على جانبيه العُمَد، والبواكي، والحوانيت المغرية تعرض أجمل التحف التي تنتجها الصناعات القديمة. وكان عند كثير من ملتقى الشوارع ميادين واسعة أو دوائر يسمونها الطرق "الواسعة" (Plateai)- ومنها اشتقّت الكلمة الإيطاليّة Piazza والكلمتان الإنجليزيتان Place، Plaza. وكانت مباني ذات روعة تزين الشوارع الرئيسية- دار تمثيل كبرى، ومصفق، وهياكل لبسيدن، وقيصر، وزُحل، وسرابيوم أو هيكل لسرابيس ذائع الصيت، وطائفة من مباني الجامعة اشتهرت في العالم كله باسم المتحف (الميوزيوم Museum أو بيت ربات الفن Muses). وكانت المدينة مقسمة خمسة أقسام، خصّ قسم منها بأكمله تقريباً بقصور البطالمة، وحدائقهم، ومباني الإدارات الحكومية، وكان يقيم فيه في العصر الروماني حاكم المدينة. وفي هذا القسم دُفنت جثة الاسكندر الأكبر مؤسس المدينة في ضريح جميل الشكل، وقد وُضِعت في تابوت من الزجاج وحُفِظت من البلى في العسل.
وكان سكان المدينة خليطاً من اليونان، والمصريين، واليهود، والإيطاليين، والعرب، والفينيقيين، والفرس، والأحباش، والسوريين، والليبيين، والقليقيين، والسكوذيين، والهنود، والنوبيين، ومن شعوب البحر الأبيض كلّهم تقريباً. وكان يتألف منهم جميعاً خليط سريع الذوبان بعضه في بعض، سريع الالتهاب أيضاً، متشاحن، سيئ النظام، عظيم المهارة والذكاء، فكه غير محتشم، لا يستحي من فحش القول، متشكك، منحرف، غير مستمسك بالخلق الكريم، مرح، شديد الولع بالتمثيل، والموسيقى، والألعاب العامة. ويصف ديوكريستوم الحياة في المدينة بأنها (قصف دائم... للراقصات، والمصفرين، والقتلة"(8). وكانت القنوات غاصة على الدوام بمحبي المرح والطرب، يستقلون القوارب الصغيرة أثناء الليل، يقطعون فيها مسافة الأميال الخمسة التي توصلهم إلى كنوبس Canopus ضاحيتها المليئة بالملاهي وأسباب التسلية. وكانت تقام فيها مباريات موسيقية لا تقل عن سباق الخيل إثارة للمشاعر والتصفيق والضجيج.
وإذا جاز لنا أن نصدق فيلو(9) فيما يقوله عن سكان المدينة، فقد كان أربعون في المائة منهم من اليهود، وكانت كثرة يهود الإسكندرية تعمل في الصناعة والتجارة، وتعيش في فقر مدقع(10)، وكان كثيرون منهم تجاراً، وعدد قليل منهم مرابين، وبلغ بعضهم من الثراء درجة استطاعوا بها أن يحصلوا على مناصب يُحسدون عليها في الحكومة؛ وبعد أن كانوا في أول الأمر لا يشغلون إلا خُمس مساحة المدينة أصبحوا في الوقت الذي نتحدّث عنه يُشغلون خمسيها. وكانوا يحاكمون بمقتضى قوانينهم الخاصة على أيدي كبرائهم، وأيدت روما الامتيازات التي منحها إياهم البطالمة والتي يحق لهم بمقتضاها أن يتجاهلوا أي قانون يتعارض مع أوامر دينهم. وكانوا يفخرون بكنيسهم المركزي الفخم وهو باسقاً ذات عُمَد، بلغ من الاتساع حداً كان لابد معه من استخدام نظام للإشارات يضمن بها استجابة المصلين الذين لا يستطيعون- لبعدهم عن المحراب- أن يسمعوا صوت الحاخام(11). ويُستفاد من أقوال يوسفوس أن الحياة الأخلاقية ليهود الإسكندرية كانت مضرب المثل في الاستقامة إذا قيست إلى حياة السكان "الوثنيين" الشهوانية الطليقة(12). وكانت لهم ثقافة ذهنية نشيطة، كما كان لهم حظ كبير من الدراسات الفلسفية والتاريخية والعلمية في ذلك الوقت. وكانت المدينة تضطرب من حين إلى حين بالعداء العنصري؛ وشاهد ذلك أننا نجد في النُبذة التي كتبها يوسفوس ضد أبيوق (وهو زعيم معادٍ للساميّة) جميع الأسباب، والحجج، والخرافات التي تعكّر العلاقات بين اليهود وغيرهم من أصحاب الأديان الأخرى في هذه الأيام. وقد حدث في عام 38م. أن هاجم الغوغاء من اليونان معابد اليهود وأصرّوا على أن يضعوا في كل منها تمثالاً لكاليگولا ليتخذوه إلهاً. كذلك حرّم أفليوس فلاكس حاكم المدينة الروماني اليهود من حق المواطنة الإسكندرية وأمر من كانوا يعيشون منهم خارج القسم اليهودي الأصلي أن يعودوا إليه في خلال بضعة أيام من صدور الأمر، فلما انقضى الأجل المحدد لهذه العودة أحرق الغوغاء اليونان أربعمائة من بيوت اليهود، وقتلوا من كان منهم خارج ذلك الحي؛ وقبض على ثمانية وثلاثين من أعضاء الجروزيا (مجلس الشيوخ اليهودي، وجلدوا علناً في إحدى دور التمثيل، وطُرِد آلاف من اليهود من بيوتهم أو من أعمالهم أو حُرموا ما كانوا يدخرونه من أموالهم. وعَرَضَ الحاكم الذي خَلَفَ فلاكس أمرهم على الإمبراطور، وسافر إلى روما (عام 40م) وفدان مستقلان- أحدهما يتألّف من خمسة من اليونان والآخر من خمسة من اليهود- ليعرض كل منهما قضيته على كلجيولا، ولكن الإمبراطور قضى نحبه قبل أن يصدر حكمه، فلمّا جلس كلوديوس على العرش أعاد إلى يهود الإسكندرية ما كان لهم من حقوق، وأكّد لهم مواطنيتهم في المدينة، وأصدر أمراً مشدداً إلى الطائفتين المتنازعتين ألا تعكّرا صفو السلام.

تعليقات: 0
إرسال تعليق